الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

409

نفحات الولاية

التمار وقنبر وسعيد بن الجبير الذين صمدوا وأبوا سبوا علي حتى قتلوا فأنّهم لم يرتكبو أي خلاف ، بل أتوا بعمل عظيم أهلهم للشهادة . ويتضح ممّا سبق بأنّ المؤمن إذا عرض للإساءة من قبل العدو أو دفع الناس لانتهاك حرمته فانّ ذلك ليس فقط لا يحط من قدره فحسب ، بل يزيده عزة وكرامة . وهنا يبرز هذا السؤال : ما الفرق بين السب والبراءة بحيث أذن الإمام عليه السلام بالسبب ولم يأذن بالبراءة لثلاث : أولًا : أنّه ولد على فطرة الإسلام والإيمان ، ثانيا : أنّه كان من السابقين للإسلام والتصديق بالنبي صلى الله عليه وآله ، والثالث : سبقه إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ؟ فقد كثر الكلام بين المفسرين بشأن الفارق بين السب والبراءة ، لا يخلو بعضه من التكلف وعدم الاقناع ، ويبدو أنّ الأقرب في الفارق بينهما أحد أمرين : الأول أنّ سب الإنسان قد يكون إشارة إلى سوءه ولا يعطي مفهوم الكفر والشرك ، أمّا البراءة فتعني التبري من دينه ومعتقداته كما ورد ذلك في الآية الأولى من سورة التوبة : « بَرآءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ » وعليه فمفهوم البراءة من الإمام عليه السلام هو البراءة من الدين والإسلام ، ومن هنا منع الإمام عليه السلام حتى من البراءة منه باللسان ، فالواقع أنّ الإمام عليه السلام أذن بالإساءة إلى شخصه لكنه لم يأذن بالإساءة إلى دينه ولو لفظياً - والآخر أنّ أغلب الناس يتصورون أنّهم إذا إجبروا على كلام لا يمكنهم الاقتناع بالألفاظ ولابدّ من أن ترافقه النيّة ، ومن هنا فمن أجبر على إجراء صيغة الطلاق فإنه لابدّ أن يقصد اللفظ والمعنى حين الصيغة ، ان كان طلاق المكره باطلًا إلّاأنّه يتضمن قصد الانشاء ولذلك لايستدل الفقهاء على بطلان هذا الطلاق بعدم قصد المعنى ، بل يستندون في بطلانه على الاكراه ، ويصدق هذا الأمر على السب ، فقصد السب سيئ ، الا أنّ قصد البراءة أسوأ ، لأنّ الأول يهدف نفي حرمة الإنسان ، أمّا الثاني فيهدف البراءة من دينه ومعتقده ؛ أي إسلامه وليس هنالك من مسلم مستعد لهذا العمل . والدليل على ذلك الأمور الثلاث التي ذكرها الإمام عليه السلام في نهيه عن البراءة : الأمر الأول : « فانّي ولدت على الفطرة » . أما كيف عَلّل نهيَه لهم على البراءة منه عليه‌السلام ، بقوله : « فإنّي ولدْت على الفطرة » ؛ فإن هذا التعليل لا يختص به عليه‌السلام ، لأن كلّ أحدٍ يولَد على الفطرة ؛ فقد قال النبي صلى اللَّه عليه وآله : « كلّ مولدٍ يولد على الفطرة ؛ وإنّما أبواه يهودّانه وينصرانه » .